الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

57

نفحات القرآن

يقول بعض المفسرين : إنّ مفهومها هنا ينطبق مع مفهوم الكتابة ولهذا السبب أعربوا كتاباً ، مفعولًا مطلقاً لأَحصينا ، في حين يجب أن يكون المفعول المطلق من مادة نفس الفعل الذي قبله ، وبما أنّ معنى الكلمتين واحدٌ فيمكن أن يحل أحدُهما محل الآخر « 1 » . كتب في عليين وأخرى في سجين : الآية الثامنة التي وردت في موضعين من سورة المطففين تشير إلى كتاب أعمال الأبرار والفجار ، وقد كشفت عن جزئيات أكثر ، فقد ذكرت أولًا كتاب أعمال الفجار : « كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقومٌ » . وبعد عدّة آيات من نفس السورة جاء كتاب أعمال الأبرار : « كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَّرقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ » . وقد ورد في هذه الآيات كلام عن ( سجين ) و ( عليين ) التي تحفظ فيها كتب أعمال الفجار والأبرار ، لذا يجب توضيح معنى هاتين الكلمتين بدقّة : « سِجّين » : هي صيغة مبالغة مشتقة من مادة ( سِجن ) بمعنى السجن ، ولقد ذكر المفسرون معانيَ مختلفة لهذه الكلمة مثل النّار أو موضع خاص من النّار تحفظ فيه كتب الفجار . ونحن نقول : إنّ أصح الأقوال هو إنّ سجين كتاب جامع تجمع فيه كتب أعمال جميع الفجار ، وبتعبير أوضح أنّ هذا الكتاب كمثل السجل العام الذي يسجل فيه حساب جميع الدائنين والمدينين . أمّا « عليين » فهي جمع ( علي ) على وزن ( ملي ) وهو في الأصل مشتق من العلو ، وهو إشارة إلى المكان المرتفع ، ولذا يطلق هذا الاسم على الأشخاص الذين يسكنون المناطق المرتفعة من الجبال ، وحسب قول بعض المفسرين : إنّ المراد ( بعليين ) أعلى أماكن الجنّة أو أعلى مكان في السماء ، ومن خلال المقارنة بين الآراء حول سجين يتضح أنّ عليين كذلك

--> ( 1 ) . وقيل إنّ ( كتاباً ) حال ، ولكن الاحتمال الأول هو الأصح .